"كلي الأكل ده، يا إما هنضطر ننزلِك من الطيارة فوراً!"كانت التحذيرة بصوت منخفض، لكن كل ركاب الدرجة الأولى سمعوها بوضوح. كانت الطفلة مريم، ذات الأجهزة الـ 12 عاماً، قاعدة متسمرة في مقعدها (3A)، وعينيها مسمرتين على صينية الفطار اللي قدامها.
البيض كان طالع منه ريم وريحة حامضة ومريبة غريبة جداً، وكل إحساس جواها كان بيقول إن الأكل ده فيه مصيبة، حتى من قبل ما تلمسه.قالت مريم بصوت هادي وخايف شوية: "أنا حاسة إن الأكل ده مش آمن، ومش قادرة أكل منه.
"المضيفة اللي كانت واقفة جنبها كتفت إيدها وبصت بغضب للممر: "الوجبة دي جاية من أفضل شركات التوريدات الفاخرة عندنا، يعني استحالة يكون فيها أي غلطة!"بصت مريم للبيض تاني وبحركة بسيطة زقت الصينية بعيد عنها بحذر.
واحد قاعد في الناحية التانية ضحك بسخرية وكأن الموقف كوميدي: "الدرجة الأولى مش حضانة يا شطورة!"، فضحك معاه راكب تاني قاعد جنبه. مريم سمعت كلامهم، ولثانية واحدة عينها دمعت من الإحراج والظلم. بس بدل ما تدخل في خناقة، مسحت دمعتها بسرعة، عدلت قعدتها بشموخ وقالت بثبات: "برضو مش هاكله.
"تعبير وش المضيفة اتحول من قلة صبر لغضب صريح: "يا آنسة، مينفعش تفضلي رافضة التعليمات وتعملي لنا إزعاج كده!"بصت مريم حواليها في الكابينة وهي مش مصدقة، هي أصلاً دوبك كانت بتتكلم بصوت واطي: "أنا مزعجتش حد خالص.
.. أنا بس بقول إن ريحة الأكل ده مش طبيعية وتحس إنه بايظ. "المضيفة قربت منها أكتر وقالت بحزم: "خياراتك أوضح من الشمس: كلي الوجبة، بطلي حجج، أو هخلي أمن الطيارة ينزلك منها قبل ما تتحرك."الكابينة فجأة سكتت تماماً. صوابع مريم ضغطت بقوة على مساند الكرسي.
كانت خايفة جداً، لكن الكلام اللي أبوها رباها عليه رجع يتردد في ودنها زي الجرس:"يا بنتي، لو حسيتِ بقلبك إن فيه خطر أو حاجة غلط، إياكي الإحراج يخليكي تسكتي أو تتنازلي عن أمانك. "عشان كده، زقت مريم الصينية للأخر وقالت وصوتها بيترعش حاجات بسيطة: "مش هاكله.
.. وشايفة إنه مش من حقكم تنزلوني لمجرد إني خايفة على نفسي من أكل ريحته سم."فضلت المضيفة باصة لها بثبات لفترة طويلة وهي مش مصدقة إن طفلة عندها 12 سنة ما خافتطش من تهـ,ـديدها. وبعدها مدت إيدها بغضب وراحت ناحية سماعة الإنتركوم: "تمام براحتك..
أنا هكلم المسؤول الأول عن الطاقم، ولو لزم الأمر، أمن المطار هو اللي هيتفاهم معاكي."الركاب بدأوا يتحركوا بقلق في مقاعدهم، والراكب الساخر هز راسه بتهكم. مريم بصت ناحية باب قمرة القيادة، خدت نفس عميق وثابت، وقالت بهدوء:"قبل ما تعملي كده... يمكن الأفضل تعرفي حاجة صغيرة عن بابايا.
"المضيفة وقفت وسماعة التليفون نص إيدها: "وباباكي دخله إيه باللي بنعمله ده؟"بلعت مريم ريقها وقالت: "اسمه الدكتور إبراهيم الشناوي. "لسوانح ثانية، مفيش أي حاجة حصلت. وفجأة، واحدة من أطقم الضيافة القدامى الواقفة عند المطبخ رفعت راسها بسرعة كأن الاسم ضـ,ـرب في دماغها زي الصاعقة: "الدكتور إبراهيم الشناوي؟
!"بدون إبطاء، جريت المضيفة القديمة ناحية باب قمرة القيادة واختفت ورا الباب. المضيفة الأولى كست وشها الحيرة وهي باصة للسماعة ومش فاهمة إيه اللي بيحصل.وما هي إلا أقل من دقيقة، وكان باب قمرة القيادة يتفتح تاني.
طلع منه الكابتن زياد، وبصته كانت مختلفة تماماً عن اللبرود اللي دخل بيه الطيارة في الأول. مشي بخطوات سريعة ومباشرة لحد صف مقاعد مريم، وسألها بصوت جاد: "مريم إبراهيم الشناوي؟"هزت راسها بخوف محترم. كمل الكابتن: "باباكي هو الدكتور إبراهيم الشناوي، استشاري الطيران الطبي ومسؤول ملف السلامة الغذائية وبرامج التموين لمنظومة الطيران؟



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.