الدكتور أدهم فتح ملف على الشاشة ولفه ليا وهو بيقول ببرود قاتل:«توقيعه، ورقم قومي بتاعه، وإقرار بخروجه بيها على مسؤوليته.. كله موجود هنا. الأسئلة القانونية دي لازم تسأليها له.. لأن اللي عمله ده مش مجرد إهمال، دي جريمة قتل بطيء!
».فضلت باصة للشاشة وعنيا مزغللة، حسيت إن الدنيا بتلف بيا وإن كل سنين الجواز والاحترام اللي بيني وبين الراجل ده كانت كذبة كبيرة ومخيفة.. وماكنتش أعرف إن اللي جاي أخطر بكتير، وإن طارق كان مخبي أسرار تانية أظلم بكتير من مجرد مرض بنتنا!
كلمات الدكتور أدهم كانت عاملة زي الخناجر اللي بتغرز في قلبي واحد ورا التاني.خمس شهور.. خمس شهور كاملين وبنتي بتعاني وبتتقطع من الوجع، وأبوها كان قاعد بيتفرج وساكت، والأدهى من كده إنه هو اللي مضى على خروجها ورفض يعالجها أو يعرفني باللي صاير!
مسكت في طرف ترابيزة الكشف عشان ما اقعش من طولي، بصيت للدكتور أدهم بصوت كله رجاء ودموعي نازلة بغزارة:«ارجوك يا دكتور.. فهمني.. حالة مريم إيه بالظبط؟ وهل لسه فيه أمل ولا.. ولا إحنا تأخرنا أوي؟».
الدكتور أدهم تنفس بعمق، ونظرات عينيه تحولت من الجمود لشوية شفقة، وقال:«الورم كبر وضغط على أعضاء حيوية، والحالة حرجة جداً.. بس لسه فيه فرصة لو دخلنا عمليات فوراً وشيلناه، طبعاً مع جلسات علاج مكثفة بعد كده. بس الأهم دلوقتي مش العملية وبس..
الأهم تعرفي إيه الأسباب اللي تخلي أب يضحي بصحة بنته بالشكل ده، ويسيبها توصل للمرحلة دي من غير ما ينطق حرف واحد!».حضنت مريم وهي منهارة من العياط، وبطنتها بتوجعها أكتر من الخوف والصدمة. غطيتها كويس، وطلعت بيها على أوضة التحضير للعمليات، وكتبت إقرار العملية فوراً من غير ما أفكر ثانية واحدة، ومن غير ما حتى يخطر على بالي إني أبلغ طارق.
طارق مات بالنسبة لي في اللحظة دي.. مبقاش أب ولا يستاهل حتى يسمع صوت بنته.وفي اللحظة اللي كانت الممرضات بيدخلوا مريم فيها لعمليات الاستئصال الطارئة، تليفوني رن في إيدي..كان اسم "طارق" منور على الشاشة!قلبي دق بجنون، وبصيت للتليفون وكأن مسخ قدامي..
فتحت الخط ورديت بصوت جاني، كله شرار وغل مبطن بالوجع:«أنت فين يا طارق؟».جه صوته الهادئ والبارد بشكل مستفز من الناحية التانية:«كنت في الشغل.. أنتي فين ببنتك؟ بيقولوا لي في البيت إنكم مش موجودين، وسابين أكل إيه.
. أنتي دلعتاها زيادة عن اللزوم كالعادة!».غمضت عيني ودموعي نزلت حرقة، وقولت له بصوت هادئ بس مرعب:«بنتك بتموت يا طارق.. أو بالأحرى، أنت اللي كنت سايبها تموت ببطء من خمس شهور!».سكت التليفون تماماً لثواني، وحسيت بنفَسه اتقطع على الناحية التانية..
لكن وقبل ما ينطق بحرف واحد، كملت كلامي بضربة قاضية كنت مخبياها له:«أنا في مستشفى (...)، وجنب أوضة العمليات حالاً.. ومعايا ملفك الطبي وتوقيعك اللي بتثبت فيه إنك كنت عارف بكل حاجة وسايبها تتوجع بمزاجك.. ومش بس كده يا طارق..
أنا عرفت السر الأسود اللي كنت مخبيه وراك، والسبب الحقيقي اللي خلاك ترفض تعالج بنتك من الأول!».صرخ بصدمة على الناحية التانية:«إنتي.. إنتي عرفتي إيه؟!».قفلت السيرة في وشّه من غير ما أديله فرصة ينطق حرف واحد، ومشيت في طريقي لدخلة العمليات.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.