قطعة من روحي

نُشر منذ يومين
حفظ
غلاف المقال

​وبعد انتظار دام لأكثر من سنتين وشهرين، جاء اليوم الموعود.​اللحظة التي تهتز لها القلوب​تجمع أصدقاء يوسف القريبون والمصور في صالون بيتهم البسيط. كانت "أمينة" تجلس على كرسيتها الخشبية، وعيناها تدوران بين ابنها والمقص المتروك على الطاولة. كانت غير مصدقة أن ابنتها أو ابنها سيفعل ذلك بالفعل.

​اقترب يوسف منها، وجلس عند قدميها، ثم أمسك يدها وقبلها قبلة طويلة، وقال بنبرة ملأى بالخنوع والبر:— "يا أمي.. كل خصلة شعر هنا كبرت وأنا بدعي ربنا يطول في عمرك ويشفيكي. النهاردة طالع من قلبي قبل ما يطلع من رأسي."​بدأ صديقه يمسك المقص.

وفي اللحظة التي قص فيها أول خصلة وسقطت في الوعاء المخصص، ساد الصمت في الغرفة تماماً... ثم انهارت الدموع.​لم يكن هناك عين واحدة جافة في المكان؛ كان المصور يبكي وهو يلتزم بكاميرته، وأصدقاؤه يمسحون دموعهم بحياء، وأمينة تخبئ وجهها بين يديها وهي تنتخب من شدة التأثر.

​لم تكن تلك الخصلات مجرد شعر يُقَص، بل كانت سنتين من الصبر، وسنتين من مواجهة كلام الناس، وسنتين من التضرع والدعاء في قيام الليل بأن يلبس الله أمه ثوب الصحة والعافية.​المفاجأة الكبرى: المشهد الأخير أمام المراية​بعد أن تبرع يوسف بشعره بالكامل وأرسله للمصنع المتخصص، مرت أسابيع الانتظار الصعبة.

. حتى أتى طرد مغلق إلى باب البيت.​فتحت أمينة الطرد بيدين ترتجفان. لم تكن الباروكة مجرد شعر اصطناعي أو لون قريب من لون شعرها القديم... بل كان شعر ابنها نفسه! بصيلاته، ملمسه، ولونه الطبيعي الدافئ الذي تعرفه منذ أن كان طفلاً صغيراً.

​وضعت أمينة الباروكة على رأسها، ووقفت أمام المراية بخطوات ثقيلة...​ولأول مرة منذ سنوات، لم تَرَ امرأة غريبة ومكسورة في المراية. رأت نفسها من جديد، لكن هذه المرة... كانت ترى قطعة من روح ابنها ووفائه تلتف حول رأسها كالتّاج.

​دارت لأبنها يوسف الذي كان يقف بابتسامة ناصعة ورأس محلوق، وقالت بصوت خنقته العبرات وهي تضم رأسه إلى صدرها:— "يا يوسف.. ربنا يرضى عليك دنيا وأخرة، ويجعل كل خصلة قصيتها في ميزان حسناتك يوم القيامة.. ردت لي روحي يا بني.

"​العبرة والختام:​"بعض الحب لا يحتاج إلى خطب رنانة ولا مواقف استعراضية.. الحب الحقيقي هو أن تلاحظ ما الذي فقدته أمهاتنا في رحلة التعب والابتلاء، وتسأل نفسك بكل صدق: ما الذي أنا مستعد لأن أنميه، أو أقدمه، أو أضحي به... لكي أعيد إليهن فرحتهن من جديد؟"تمت

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
SM

Salma Mohamed ✦ ناشر

كاتب

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
49مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان