​ثمن إهانة أمي

نُشر منذ أسبوع
حفظ
غلاف المقال

​“حاسبي يا أمي، وقعتي!”..بس للأسف، كان فوات الأوان.​في ليلة زفاف ابني الوحيد، وبينما العيون كلها معلقة بينا، اتزحلت مراتي — رفيقَة عمري لأكتر من أربعين سنة — ووقعت بكل ثقلها في الطين وسط القاعة المفتوحة، قدام أكتر من مئتي مدعو من الأهل والأكابر. والمفاجأة؟

العروسة وقفت تبتسم ببرود، وكأن اللي حصل قدامها ده مش إهانة لحماتها، دي مجرد فقرة طريفة في الحفل!​الموسيقى الهادية سكتت فجأة، كاسات الشربات اهتزت في إيد الجرسونات، وبقت مراتي الغالية قاعدة على النجيلية المبلولة جنب قوس الورد الأبيض.

​أمينة — مراتي الطيبة — مكنتش بتعمل حاجة غلط، كل حكايتها إنها كانت بتعدل ديل فستان العروسة (جوري) عشان تطلع أحلى صورة في افتتاحية الفرح. ورغم إن أهل العروسة كانوا دايماً بيتعمدوا يقللوا منها ويقولوا إنها “بسيطة زيادة عن اللزوم” و“مش قد المقام”، إلا إنها فضلت مبتسمة وصابرة، وكان كل همها تشوف ابننا يوسف طاير من الفرحة.

​بس اللي جرحني بجد، إن جوري وقفت بملامح هادئة وقالت بصوت عالي متعمد:​“يا ربي! أنا آسفة جداً.. دي اتفاجئت بيها ورايا ومحستش بيها خالص.”​بس أنا بعين اللي عاش مع أمينة سنين، لاحظت حاجة تانية خالص.. كتف جوري اتحرك بطريقة واضحة تؤكد إنها خبطت أمينة متعمّدة عشان توقعها!

ويوسف للأسف.. شاف اللي أنا شفته.​جريت بسرعة ناحية أمينة، بس يوسف سبقني. للحظة واحدة، كنت متوقع إنه هينتصر لأمه اللي باتت ليالي طويلة سهرانة على سر,,ـــــيره في المستشفى، واللي باعت محبسها ودهبها عشان توفر مصاريف جامعته، واللي كانت بتعيط بصمت كل ما اتصل بيهم ومبقاش همه في الدنيا غير إنه يطلب فلوس وبس!

​لكن بدل ما يمد إيده عشان يقومها باحترام، جوري قطعت اللحظة وقالت بحِدة وقسوة:​“إنتَ هتسمح للمنظر ده يخرب الفرح؟ لمّ الليلة!”​ويوسف، وهو تايه بين أمه اللي مرمية في الطين بكسرة، وعروسته، والضيوف اللي بيبصوا بشماتة، نطق بصوت عالي جعله يخترق صمت القاعة:​“محصلش حاجة يا جماعة.

. دي مجرد دَوخة بسيطة وأمي فقدت توازنها!”​كلمة منه كانت كفيلة تكسر قلب أمينة ألف حتة. عيونها اتملت دموع، بس رفضت تنزل دمعة قدام الشامتين. ساعدتها تقوم، وفستانها الأزرق الأنيق بقى مليان طين، وإيديها كانت بترتجف من قسوة الخذلان مش من البرد.

صمتها كان أوجع بكتير من أي صراخ. ​أم العروسة، مدام نيفين، ضحكت بسخرية وقالت بصوت مسموع للي حواليها:​“طبيعي، الحفلات الراقية دي بتبقى صعبة على اللي مش متعودين على الفخامة!”​وحتى بعض الضيوف ضحكوا.. كأن الفلوس والمظاهر بتدي للناس الحق تقسَى على الضعيف!

​يوسف شدني من دراعي، وهمس بصوت مرتعش وخايف:​“يا بابا, أرجوك اعدي الليلة دي. لسه هنسلم الشيك الأخير لمستحقات القاعة والعشاء.. والنبي بلاش مشاكل وفضايح قدام الناس!”​فضايح.. ده كل اللي بقى يعنيه اليوم ده بالنسبة له: إهانة أمه بقت مجرد "فضايح" خايف منها!

​بصيت حواليا في القاعة المبهجة: الإضاءة الفخمة، الديكورات المستوردة، الورد الطبيعي اللي مالي المكان، والألعاب النــ,,ـــــارية اللي مجهزة لنهاية السهرة. . كل البذخ ده لأن يوسف أقنعني إن جوري “تستحق فرح أسطوري ما حصلش”.​هزيت رأسي ساعتها ببطء.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
SM

Salma Mohamed ✦ ناشر

كاتب

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
43مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان