. اتنين.. تلاتة.. أربعة..على الضغطة رقم تسعة وثمانين.. جسم الواد انتفض فجأة. كح بقوة رهيبة.. ومياه البحيرة خرجت من بوقه بغزارة. وبعدها.. أخد نفس عميق ومرتجف.. وبعده تاني.عايش.. الحمد لله الواد عايش.بعد أربع دقائق.. وصل الإسعاف بصافرات الإنذار.
المسعف الأول نزل وجري فحص علامات حمزة الحيوية، اتعدل وبص بعين ثاقبة على عيلتي اللي واقفة مصدومة:ـ "مين اللي بدأ الإنعاش وقام بالحالة؟"رديت بصوت هادئ وبارد تماماً:ـ "أنا.. نفسين إنقاذ، وتلاتين ضغطة، وعودة الدورة الدموية في الدورة التالتة.. وقت الغرق كان أقل من دقيقتين."المسعف بص لي بتمعن.
. وبصورة مختلفة خالص عن كل اللي قاعدين. مبقاش شايف قدامه خالة مبلولة ولابسة لبس بسيط على الشاطئ.. شاف قدامه دكتورة أنقذت حياة روح بريئة.أمي ومحمود لسه واقفين في مكانهم، بيحاولوا يداروا إحراجهم ومربعين إيديهم بسخرية مبلوعة:ـ "يعني.
. أي حد كان يقدر يعمل كده!".. واحد من العيلة تمتم باستهزاء.المسعف التفت لهم ببطء.. ووشه اتقلب 180 درجة وبقى جاد وصارم جداً:ـ "يا فندم.. اللي عملته الدكتورة دي في اللحظات الحاسمة.. مستحيل أي حد يقدر يعمله أبداً..."
ـ "دي استجابة فسيولوجية عالية ومدربة باحتراف.
تسعين في المية من الناس العادية بيتجمدوا من الرعب ومبيقدرش يعملوا حاجة. بنتك لسه عاملة إنعاش أطفال مثالي بحرفية الكتاب ومن غير ولا قطعة معدات طبية.. دي بجد بطلة!"الصمت اللي حل على الرصيف الخشبي كان تام ومرعب.أخوي محمود وقف باصص لإيديه اللي بتترعش..
نفس الإيدين اللي لسه حالا كانوا بيشدوني بعنــ,,ـــــف ومنعوني من إنقاذ روحه الوحيدة. وبوق أمي فتح وقفل من الصدمة، وقناع الوهم والغرور اللي كانت عايشة فيه اتقطع حتت قدام قسوة الحقيقة اللي مفيش بعدها كلام.أنا مستنيتش أسمع منهم أي اعتذار..
نطيت في عربيتي وطلعت وراء الإسعاف وصوت صفاراته بيلف في وداني. كنت عارفة إن الحرب دي لسه منتهتش.. صحيح هما اتصدموا وسكتوا على الرصيف، بس المعركة الكبيرة والفاصلة لسه مستنيانا تحت كشافات النور الأبيض الفاقع.. في أرضي أنا وفي ملعبي!
وبعد نص ساعة، لما رئيسة قسم جراحة التروما والحوادث دخلت غرفة الانتظار بتاعت المستشفى، حرصت إن عيلتي دي متنساش اسمي أبداً طول عمرهم..دخلت المستشفى وورايا نظراتهم المصدومة. حمزة دخل غرفة العناية المركزة تحت إشراف زملائي، والحالة استقرت الحمد لله بعد ما لحقناه في الثواني الأخيرة.
بعد شوية، أمي ومحمود وصلوا المستشفى، وكانوا بيلهثوا.. أول ما شافوني قاعدة قدام العناية، أمي قربت مني وعنيها فيها نظرة استعطاف مصطنعة ممزوجة بالصدمة:ـ "يا بنتي.. إحنا.. إحنا مكنناش نقصد.. انتِ عارفة إننا.."، بس قطعت كلامها بنظرة حادة خلتها تبلع باقي الجملة.
في اللحظة دي، الباب اتفتح وطلعت دكتورة "منى"، رئيسة قسم جراحة التروما والحوادث بالمستشفى.. دكتورة منى دي ست صارمة ومعروفة بشخصيتها القوية اللي بتخضع الكل، وكانت ماسكة في إيدها الملف الطبي بتاع حمزة.دكتورة منى بصت للأجهزة اللي جوه، وبعدين لفت وبصت لأمي ومحمود ببرود تام وقالت بصوت عالي وواضح خلى كل اللي في الطرقة سكتوا:ـ "مين هنا أهل الطفل حمزة؟



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.