مراد الدالي... الاسم ده لوحده كان بيتعمله ألف حساب في سوق العقارات والاستثمار، سواء في دبي، لندن، أو القاهرة. الكل كان عارفه بـ "ملك المعمار".في أي مكان كان بيحط فيه توقيعه، كانت الأبراج السكنية الفخمة بتطلع في السما، والمولات التجارية بتملى الأراضي، والمجتمعات السكنية الراقية بتتبنى في أرقى الأماكن.
بس في يوم جمعة هادي، جوه فرن بلدي بسيط في حي شعبي هادئ، وقف مراد مسمّر في مكانه، ومش مصدق عيونه قدام منظر مفيش أي صفقة بيزنس ضخمة في حياته علمته إزاي يتعامل معاه.طليقته السابقة.
.. مريم، كانت واقفة قدام الكاشير، بتعدّ الفلوس "جنيه بجنيه" باهتمام بالغ عشان تدفع حق عيش وبقسماط لأولادها.وجنبها طفلين توأم، في سن أربع سنين تقريباً، شبه بعض تماماً:واحد منهم باصص جوه الفاترينة بعيون مليانة حرمان وبرائة، بيبص لقرص بالعجوة كأنه كنز لا يُقدر بثمن.
والتاني ماسك كشكول قديم مليان رسومات بسيطة لكواكب الفضاء والصواريخ."يا ماما،" قال الطفل الهادي بصوت خافت وخجلان: "لو معاناش فلوس كفاية.. عادي، أنا ممكن مستمش عيش النهارده".مريم ابتسمت له بابتسامة دافئة مفعمة بالحنان، وبعزة نفس وقوة بانت في عيونها وهي بتمسح على شعره:"معانا يا حبيبي، متخافش.
. إحنا بس بنعد الفلوس بالراحة عشان نحاسب صح."مراد حس إن الأرض بتميد بيه.. مستحيل، هل اللي هو شايفه ده حقيقي؟!مريم لسه مكنش خدت بالها منه وهو واقف مصدوم وراها. كانت لامة شعرها بديل حصان بسيط، لابسة هدوم عادية جداً ومحتشمة، والإرهاق والتعب باينين بوضوح في عيونها.
مفيش أي أثر للست اللي كانت في يوم من الأيام بترافقو لأرقى الحفلات والمؤتمرات وهي لابسة أرقى الفساتين وفلاشات الكاميرات حواليها في كل مكان. بقت دلوقتي أُم عظيمة، بتواجه قسوة الدنيا وصعوبات الحياة لوحدها بكل شرف وأمانة.
الفرّان الطيب (عم صبحي) حس بالوضع، فمد إيده بهدوء وحط رغيفين مانجو أو باتيه إضافيين في الشنطة من غير ما تحس:"خد دول يا أم يوسف،" قالها بابتسامة طيبة: "دول هدية من الفرن على العصر كده، بالهنا والشفا". مريم هزت راسها فوراً برفض قاطع وبكل كرامة:"لا يا عم صبحي، متشكرة جداً.
. والله ما ينفع.""يا بنتي اعتبريهم عيدية للولاد.. هتزعليني منك بقى ولا إيه؟!"التوأمين نطوا من الفرحة بصوت واطي وخجول.وقبل ما مريم تلف وتشوفه، مراد رجع لوراء خطوة.. وخرج من الفرن بهدوء، وقلبه بيدق بجنون كأن دنيته كلها بتنهار فوق راسه.
لما جه بالليل، قاعد في مكتبه الفخم اللي جدرانه إزاز وبطلّ على أنوار المدينة كلها، مسك التليفون وكلم مساعده الشخصي اللي شغال معاه من سنين:"عايزك تجيب لي كل صغيرة وكبيرة عن مريم... كل حاجة تخصها في أسرع وقت."سكت المساعد بصدمة على خط التليفون، وبعدين قال بحذر:"يا فندم.
. متأكد يا مراد بيه؟!""نفذ زي ما بقولك من غير كلام كتير."التقرير كان على مكتبه الصبح بدري. مريم خلفت توأم..ولدين.. أسماؤهم يوسف وحمزة. وعمرهم أربع سنين. والأغرب والأكثر صدمة.. إنهم اتولدو بعد طلاق مراد ومريم بسبعة شهور كاملة!
مراد فضل قاعد باصص للتقرير ساعات طويلة، وعقله مش استوعب اللي قراه. طلب كل تفصيلة ممكنة بعد كده:عنوان بيتهم..شغلها..مصاريف المدرسة..ديونها المتراكمة.. طلع إن مريم شغالّة مدرسة علوم في مدرسة إعدادية في منطقة شعبية بوسط المدينة.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.