الأب الذي لم يكن

نُشر منذ 5 أيام
حفظ
غلاف المقال

كل يوم الصبح بتركب أكتر من مواصلات عشان تروح وتيجي لشغلها وتبني مستقبل أولادها بالحلال. وعلى كتافها، لسه شايلة ديون بآلاف الجنيهات بسبب مصاريف ولادة التوأم المبكرة اللي مرت بيها في ظروف صعبة زمان. ​يوم الاثنين..

مراد من غير ما يقول لأي حد، عمل تبرع ضخم وخيالي للمدرسة اللي مريم شغالّة فيها، باسم فاعل خير، عشان يبنوا أحدث معمل علوم متطور للطلاب. كان مفكر جوه نفسه إنه كده بيصلح الغلط القديم، وإنه بيعمل الصح، وكان متخيل إن دوره هيفضل سر للأبد.

​لكن بعد تلات أيام بالصدفة.. مريم كانت معدية وسمعت مقاول بيكلم حد في التليفون:​"أيوه يا مراد بيه.. الأستاذة مريم كانت مبسوطة جداً بالمعمل الجديد، ومحدش خالص عرف إن حضرتك اللي دافع التكلفة الكاملة."​مريم اتسمرت في مكانها وعيونها وسعت من الصدمة والغضب!

​وبالليل، بعد ما الولدين ناموا، تليفونها رن. .بصت على الشاشة لقت رقمه.. ردت بصوت جاف وحاسم:​"ألو.. يا مراد."​"مريم،" قالها بصوت ملهوف وعتاب: "لازم نتكلم."​بصت ناحية باب الشقة، كأنها كانت حاسة أصلًا إنه مستنيها تحت في الشارع.​"اطلع.." قالت بصوت هادي بس جواه نــ,,ـــــار متأججة.

ثم كملت بحِدّة وقوة:​"بس فيه حاجة مهمة لازم تفهمها كويس قوي قبل ما تخطو خطوة واحدة جوه."​"إيه هي؟!"​"لحد اللحظة دي.. إنت لسه ما عندكش أي فكرة إنت عملت إيه.. ولا مين دول أساساً!

" ​مراد كان واقف قدام باب شقة مريم، إيديه جنبه في وضع مرتبك وهو بيحاول ياخد نفس عميق وينظم نبضات قلبه اللي كانت بتخبط بجنون.​على مدار التلات أيام اللي فاتوا، قضى الليل بالنهار وهو بيعيد ويزيد في عقله ألف سينــ,,ـــــاريو محتمل للمواجهة المؤلمة دي.

​طرقة العمارة الهادية كان فواحة بريحة مطهر بالليمون وصابون غسيل فريش جايين من الشقق المجاورة. وفوق في الأدوار اللي فوقهم، كان فيه طفل صغير بيضحك بسعادة وبراءة، بينما صوت تليفزيون مكتوم شغال ورا باب خشب سميك.

​باب الشقة اتفتح ببطء شديد، وكأن كل سنتيمتر بيتحرك كان بيحمل فوقه أثقال سنين من الفراق والوجع.​ظهرت مريم قدامه.. مكنش في عيونها أي أثر للخوف أو الرهبة اللي كان مراد متوقع يشوفها عند أي حد بيواجه "ملك المعمار".

بالعكس، كانت واقفة بثبات غرانيتي، لابسة عباية بيت هادية ومحتشمة، وشعرهاسيباه بطبيعة من غير أي تكلف. عيونها كانت بتلمع بنظرة حادة وقوية، نظرة ست شافت من قسوة الدنيا اللي يكفيها عمر تاني.​مراد بلع ريقه بصعوبة، وحاول يجمع الكلمات اللي صارها في دماغه طول السكة:​"مريم. . أنا..

أنا أسف لو جيت فجأة كده، بس لما عرفت..."​قبل ما يكمل جملته، قاطعته بحرف واحد جمد الدم في عيونه:​"ادخل."​دخل مراد الشقة، وبص حواليه بعيون مذهولة. الشقة كانت أصغر بكتير من أجنحة الفنادق الفخمة اللي بيعيش فيها، ولا تقارن بقصور الفئة اللي بينتمي ليها.

مساحتها محدودة، بس كانت نظيفة ومرتبة بشكل مبهظ؛ ريحة بخور هادية مع ريحة أكل بيتي دافي مالية المكان. على الترابيزة الصغيرة في الصالة، كانت فيه كشاكيل مدرسة، وأقلام ملونة، ولعبة بلاستيك صغيرة مكسورة ومصلوحة بلزق شفاف.

​قفل الباب وراه ببطء، ووقف في نص الصالة كأنه ضائع وسط تفاصيل حياة هو كان السبب في قسوتها.​"قعدتك واقفة كده مش هتغير اللي حصل يا مراد بيه،" قالت مريم وهي بتقعد على كنبة بسيطة، وتشاور له بإيدها ببرود متعمد: "اقعد.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
SM

Salma Mohamed ✦ ناشر

كاتب

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
42مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان