الأب الذي لم يكن

نُشر منذ 4 أيام
حفظ
غلاف المقال

"​في اللحظة دي، وقبل ما مراد يرد، انفتح باب الأوضة الصغيرة جوه الشقة بهدوء.. وطلع منها واحد من التوأم (يوسف)، وهو بيمسح عيونه بنوم، وماسك دبدوب قديم في إيده، وصوته الصغير الناعم هز الصالة:​"ماما.. هو فيه حد بره؟ أنا سمعت صوت عالي.

. مين ده؟"​مراد وقف مكانه كأن صاعقة ضــ,,ـــــربته.. بص للطفل الصغير اللي نسخه التاني واقف جوه نايم.. والقلب اللي في صدـ,,ـــره وقف تقريبا عن نبض.​مراد بلع ريقه بصعوبة بالغة، وحس إن قلبه كأنه اتخلع من مكانه وهو باصص للطفل الصغير.

. كان نسخة مصغرة منه وهو في السن ده، نفس نظرة العيون الواسعة، ونفس الشفايف.​مريم اتخضت لحظة، بس بسرعة هبت واقفة وحطت إيدها على كتف يوسف بحنان طاغٍ، وخبت توترها بابتسامة دافئة عشان متخوفش ابنها:​"حبيبي يا يوسف.. إنت إيه اللي صحاك يا روحي؟

"​"سمعت صوت عالي يا ماما،" قالها يوسف وهو بيمسح عيونه بكسل، وبعدين وجه نظره ببرائة لمراد الواقف مسمّر قدامه: "مين ده يا ماما؟ شكله طيب.. هو جاي يزورنا؟"​مراد حس بغصة خانقة في حلقه، ودمعة غصب عنه هربت ولمعت في عيونه.

حاول يبتسم ابتسامة مهتزة، ووطى على ركبه قدامه عشان يكون في مستواه، وقال بصوت متحشرج:​"أنا.. أنا عمو مراد يا يوسف.. صديق قديم لماما، وكنت معدي أسلم."​يوسف بص له بذكاء طفولي وقال:​"هو أنت بتشتغل في البناء زي ما كنت أسمع في التلفزيون؟ أنا بحب الصواريخ والبنايات العالية قوي!

"​قبل ما مراد يرد ويحــ,,ـــــضنه، مريم تدخلت بحزم لطيف بس حاسم، وشالت يوسف بحــ,,ـــــضنها ورجعته الأوضة:​"ادخل يا حبيبي كمل نومك، وبكرة الصبح هنتكلم.. عيب كده يا بطل."​قفلت مريم باب الأوضة بهدوء، وطلعت لمراد في الصالة.

. وملامح وجهها كانت بترد ببرود قاطع:​"أظن العرض خلص يا مراد بيه.. وشفت ولادك زي ما كنت عايز.. اتفضل اخرج من بيتي بهدوء، ومن غير ما تعمل أي إزعاج."​مراد وقف وبص لها نظرة كلها توسل وندم حقيقي:​"مريم.

. ارجوكِ.. أنا مش عايز أفرض نفسي، ولا جاي أشتريكم بفلوسي زي ما كنت زمان.. بس ابني.. أنا أول مرة أشوف لحمي ودمي واقف قدامي. . حرام عليكِ تحرميني منهم!"​"وأنت حرمتني من إني أعيش وأنا مهددة بضياعهم لوحدي كام سنة؟!

" قالتها مريم بصوت مليان وجع سنين الطمس والقهر، ودموعها نزلت بصمت بس مسحتها بسرعة بعزة نفس: "الحياة مش بتمشي كده يا مراد.. اللي اتكسر زمان مبيصلحوش كلمتين حلوين في نص الليل. . لو فعلاً عايز تثبت لي إنك بني آدم تاني غير الشخص المتطاول اللي سابني زمان.

. اثبت ده بأفعالك، مش بدموعك!"​في اليوم التاني.. مراد مخرجش من الحي الشعبي. ركن عربيته الفارهة البعيد، وأجرى تغيير جذري في شكله.. لبس لبس بسيط عادي، وقعد على القهوة البلدي اللي قدام عمارة مريم، باصص للشارع عينه مابتفارقش باب العمارة.

​لما نزلت الصبح وهي واخدة يوسف وحمزة معاها عشان توصلهم الحضانة والمدرسة وتطلع على شغلها، لقت قدامها عربية أجرة (تاكسي) قديمة واقفة، والسواق بينزل ويقول لها بكل احترام:​"يا أستاذة مريم. . الأستاذ مراد بيقول لحضرتك: 'ارتاحي اليوم من زحمة المواصلات، والتاكسي ده تحت أمركم يوصلكم لحد المدرسة والشغل، ومن غير ما تضطري تركبي مواصلات متعبة مع الولاد'.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
SM

Salma Mohamed ✦ ناشر

كاتب

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
42مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان