الأب الذي لم يكن

نُشر منذ 4 أيام
حفظ
غلاف المقال

"​مريم بصت ناحية القهوة، لقت مراد واقف بعيد، حاطط إيديه في جيبه، باصص لها بنظرة كلها رجاء وتوسل إنه يقبل المساعدة دي البسيطة من غير ما يفرض سيطرته. ​ابتسمت مريم بسخرية خفيفة، بس جواها شيء بدأ يتحرك.. هل فعلاً "ملك المعمار" اتغير وبقى بيعرف يفكر في غيره؟

وقبل ما تقرر هتعمل إيه.. الولدين نطوا من الفرحة لما شافوا العربية، وقالوا بصوت واحد:​"ياسااه يا ماما.. هنركب عربية زي الأصحابي!" ​مريم بصت للولدين اللي عيونهم كانت بتلمع بالفرحة، وبصت للتاكسي، وبعدين رجعت بصرها لمراد الواقف بعيد..

شافت في عيونه نظرة رجاء حقيقي خالية من أي غرور أو تكبر بتاع زمان. ولأنها أم حكيمة وعارفة إن ولادها ملهمش ذنب في أي خلاف قديم، هزت راسها ووافقت تركب العربية هي والولاد، وقررت تدي لنفسها وليه فرصة، بس من غير ما تتنازل عن شروطها أو كرامتها.

​الأيام عدت، ومراد غير استراتيجيته تماماً. مابقاش يبعث فلوس خيالية أو هدايا غالية تكسر نفسها، لا.. بقى بيتعامل بذكاء وحنية؛ بيبعت حاجات بسيطة تفرح الولاد زي كشكول فضاء أو ألوان، ويقف دايماً من بعيد يحميهم ويطمئن عليهم من غير ما يفرض نفسه.​لحد ما جه يوم الخميس..

يوم "اليوم الرياضي والأنشطة" في مدرسة يوسف وحمزة.​في الليلة دي، مريم كانت قاعدة بتجهز هدوم الولاد بقلب مقبوض. في المدرسة بكره، كل طفل هيدخل الملعب ومعاه أبوه يمسك إيده في مسابقات الجري والألعاب الجماعية.

يوسف وحمزة قربوا منها بكسرة طفولية وقالوا بصوت خافت:​"يا ماما.. هو بكرة بابا هيجي معانا زي بقية أصحابنا في المدرسة؟"​السؤال كان زي السكــ,,ـــــينة في قلبها. بلعت دموعها الغصب عنها وابتسمت لهم بابتسامة مصطنعة وهي بتمسح على شعرهم:​"لا يا حبايب قلبي.

. بابا مسافر وبيشتغل بعيد، بس أنا هبقى معاكم وهشجعكم بصوت عالي يكفي المدرسة كلها!"الولدين هزوا راسهم بحزن، وناموا وهم حاسين بغصة في قلبهم وسط باقي أصحابهم.​تاني يوم الصبح.. في ساحة المدرسة المليانة بالبهجة وأصوات الأطفال، كانت مريم واقفة على جنب، عيونها بدمع وهي شايفة يوسف وحمزة واقفين في زاوية الملعب لوحدهم، بيبصوا بحزن لآباء أصحابهم وهم بيشيلوهم وبيجروا معاهم في مسابقة الجري.

​وفجأة.. وسط الزحمة والضوضاء، طلع صوت قوي ومألوف نادى بحماس شديد:​"فين أبطال المدرسة.. يوسف وحمزة؟! مستعدين لسباق التتابع ولا إيه؟!"​مريم التفتت بسرعة البرق، وعيونها وسعت من الصدمة!​مراد.. "ملك المعمار" اللي كان مبيتحركش إلا بموكبه ورجالة حرسته..

واقف قدامهم دلوقتي وهو لابس تيشرت رياضي بسيط وبنطلون جينز، وشعره متسرح بعفوية، وعلى وشه ابتسامة واسعة وصادقة مكنتش شافتهم عليه طول سنين جوازهم!​يوسف وحمزة نطوا من الفرحة وصرخوا بصوت واحد:​"عمو مراد! جيت عشان تلعب معانا؟

! "​مراد نزل على كواكبه بسرعة، وفتح إيديه الاتنين وحــ,,ـــــضن الولدين بحنان الدنيا كله وقال بصوت دافئ:​"طبعاً جيت! مستحيل أفوت يوم عظيم زي ده مع أقوى بطلين في المدرسة.. جاهزون نكسب الميدالية الذهبية؟!"​الولدين صرختا بفرحة عارمة: "جاهزين يا بابا. . أقصد يا عمو مراد!

"ضحك مراد من قلبه، وباس راسهم قدام الكل.​في اللحظة دي، مريم وقفت مكانها، ودموع السعادة والامتنان نزلت على خدودها بصمت وهي باصة عليه.. ولأول مرة تحس إن الراجل اللي واقف قدامها ده.. مش مجرد طليق قديم رجع بالفلوس، ده أب حقيقي اتعلم الدرس بالطريقة الصعبة، وكسر غروره كله عشان خاطر نظرة فرحة في عيون ولاده.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
SM

Salma Mohamed ✦ ناشر

كاتب

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
42مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان