«يوم ما أمي احتفلت بعيد ميلادها الستين، وقفت قدام واحد وتلاتين ضيف، وقالت بصوت عالي يجرح: "دي مش بنت أصيلة.. دي مجرد يتيمة لقيناها في الشارع!".أخويا ضحك بصوت عالي، أبويا هرّب عينه في الطبق، وأختي عملت نفسها مش سامعة..
وبعدها بكل كبرياء، رموا في إيدي فاتحة الحساب اللي بـ 3,270 دولار، وعنيهم بتقولي: "ادفعي تمن ذلّك وقعدتك وسطنا".وقّعت على الوصل من غير حرف واحد.. بس وقبل ما أتحرك خطوة، وقفت ورايا ست هازّة البلد كلها، وقالتلي بابتسامة غامضة: "استني يا بنتي.
. تعالي أقولك أمك كانت بتقول عليكِ إيه وإنتي مش باينة في القاعة!"»الساعة كانت بالظبط 8:47 بالليل، وكنت باصّة في الأرقام على الورقة لحد ما عيني غلّبتني، ومقدرتش أرفع راسي وأبص في وشوش الناس اللي قاعدين على الترابيزة.3,270 دولار و14 سنت.
حساب واحد وتلاتين وجبة عشاء. أربع إزازات نبيذ مستورد. وتورتة لوز خاصة متزينة بورد بيضاء. ده غير مصاريف حجز القاعة الخاصة، وخدمة الجرسون، وبلاوي تانية أنا أصلاً مكنش ليّا يد فيها ولا وافقت عليها.اسمي "مريم"، وعمري أربعة وثلاثين سنة.
مستقلة مادياً، وكبيرة بما يكفي عشان أعرف إمتى بتهان وإمتى بيضحك عليا. ومع ذلك، كنت قاعدة على بار مطعم فاخر، بحاول أفهم: ليه لحد دلوقتي، كلمة من أمي قادرة توجعني كأن لسه عندي عشر سنين؟
من أقل من تلات ساعات، كنت باصلة لهدية عيد ميلادها وفرحانة كأنها هتدخل السرور على قلبي. أنا اللي حاجزّة الترابيزة دي قبلها بست أسابيع، ومرتّبة كل تفصيلة على مزاج الضيوف، ودافع العربون بنفسي بعد ما "فادية" (أمي) حلفتلي إنها هي اللي هتخلّص الحساب وتدفع الباقي.
حتى الفستان اللي لابياه، نزلْت اشتريته خصيصاً عشان اليوم ده.أول ما دخلت القاعة الخاصة، الإضاءة الهادية كانت منعكسة على ترابيزة طويلة مليانة بقرايبنا، وأصحاب العيلة، والناس المهمة اللي أمي كانت ميتة عشان تعجبهم وتلفت نظرهم. لمعت بعيني كرسي فاضي جنب أختي "ليلى"، وحصلت خطواتي ناحيته.
وقبل ما ألمس الكرسي، حسيت بإيد "فادية" بتمسك دراعي بقسوة.قالت لي وهي بتصطنع ابتسامة عريضة قدام الكل:«مريم يا حبيبتي، شوفي ترابيزة غير دي.. الترابيزة دي للعيلة وبس، مش للبنات اللي متربيين في دور أيتام أو متبنيين».في أول ثانية، حسيت إني سمعت غلط.
. أو يمكن مكنش ده المعنى المقصود.لكن بعدها، ضحك أخويا "باسم" بصوت عالي. وشوية ولاد عمي شاركوه الضحك. أما "ليلى"، فكانت منشغلة بموبايلها كأنها مسمعتش حاجة. وأبويا "منصور"، فجأة بقى مهتم جداً بقائمة المشروبات وكأنها أهم كتاب في الكون.محدش نطق بكلمة واحدة تدافع عني.
قربت "فادية" مني لحد ما بقيت سامعة ريحة برفانها الغالي، وقالت بصوت واطي:«بلاش فضايح ومشاكل.. أنتي فاهمة قصدي كويس».وكنت فاهمة طبعاً.. كويس جداً كمان.طول ست وعشرين سنة، كنت البنت اللي بتلجألها العيلة في كل مصيبة ومحتاجة فيها مساعدة، وكنت "الغريبة" لما يكون الموضوع متعلق بأنهم يدوني شعور بالأمان أو الإنتماء.
في الحفلات الخيرية قدام الناس، كانت "فادية" بتقدمني على إني دليل على طيبة قلب العيلة ورحمتهم. وفي العيد، كنت أنا اللي ماسكة الكاميرا وبصورهم، بينما "باسم" و"ليلى" واقفين في حضن أبويا وأمي. ولما حد بيحتاج يروح المطار، أو مشوار ضروري في آخر الليل، أو حد يخلص لهم مصلحة غالية.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.