فاتورة

نُشر منذ 3 أيام
حفظ
غلاف المقال

. طالما إنتي مش موافقة، الحملة دي مش هتحصل ولا هتتطبع».​المفروض كنت أحس براحة..بس حسيت إن روحي مسلوبة ونفسي بيضيق.​سنين طويلة وأنا ساكتة وبسمع أمي بتجمّل في تاريخ عيلتنا عشان كنت خايفة أقول الحقيقة فيطلعوني "جاحدة وقليلة الأصل".بس طلعت كلمة "الامتنان" دي..

هي السكينة اللي ذبحوني بيها طول عمري.​ادوني بيت، وقضيت عمري كله مجبرة أدفع تمن البيت ده كل يوم بلحظات خضوع وولاء دائم.​سألتني إجلال لو كنت عاوزة أتكلم مع مجلس الإدارة بنفسي. ترددت..أنا مبغتش انتقام رخيص، ولا كنت عاوزة أتحول لقصة جديدة الناس تسلي فيها وقتها ع القهوة أو في الصالونات.

بس كنت عاوزة الجمعية تعرف وتفهم كويس: إن الأطفال المتبنيين مش "يافطة إعلانية" نتاجر بيها، وإن نجاح التبني الحقيقي مبيتقاسش بعدد الصور اللي بنضحك فيها قدام الكاميرا.​وفي النهاية.. وافقت.​بالليل، قعدت أقلب في رسايل السنين اللي فاتت على تليفوني.

كومة طويلة من رسايل طلبات ملهاش آخر: «هاتيني من المطار»، «احجزي قاعة الحفلة»، «جهزي تبرعات الجمعية»، «خلصي لي الورق الفلاني»، وفاتورة ورا فاتورة كنت بدفعها من جيبي عشان "عجلة العيلة تدور بسلاسة".​واللي وجع قلبي أكتر، إني شفت بوضوح قد إيه محدش كان بيسأل عني وعن حالي أنا.

لما اترقيت في شغلي وبقيت مديرة، فادية باركت لي بكلمتين ناشفين، ورجعت طلبت مني فوراً أساعدها في تنظيم حفل تبرعات جديد. ولما اشتريت أول بيت ليا، أبويا سألني باستخفاف لو كان فيه ركن كفاية لركن عربيات العيلة لما يجوا يزوروني!

ولما دخلت المستشفى بسبب التهاب حاد في الرئة، باسم بعت لي رسالة واحدة بيسألني فيها لو كنت لسه قادرة أنظم له عشاء عيد زواجه!​فهمت أخيرًا..مش "ليلة عيد الميلاد الوحشة دي" هي اللي غيرت نظرتي ليهم.

اللي غيرته، هو إني فتحت عيني أخيرًا على "النمط" المتكرر اللي عشت فيه عمري كله.​فتحت ملف جديد على الكمبيوتر، وبدأت أكتب الكلام اللي كنت أتمنى حد يقوله للمريم الصغيرة ابو تمان سنين يوم ما دخلت بيتهم:​«إنك تدخلي بيت عيلة ويقبلوكي..

مش معناه أبداً إنك تقضي باقي عمرك تثبتي للكل إنك تستحقي تعيشي بينهم!»
​بعد أسبوعين من ليلة عيد الميلاد، كان ميعاد الاجتماع الشهري لمجلس إدارة "مؤسسة عائلة هارتويل".​القاعة كانت واسعة، ومجلس الإدارة كله قاعد على الترابيزة الكبيرة.

"فادية" كانت قاعدة في صدر المجلس، بتبتسم بثقة وكبرياء، وبتحكي للكل عن خطط الحملة الجديدة، وإزاي هي كرست حياتها لتربية "بنت غريبة وأصبحت نموذج للنجاح بسبب فضلها عليها".​الكل كان بيهز راسه بإعجاب، وفادية كانت في قمة نشوتها.. لحد ما فتحت الباب، ودخلت أنا بخطوات ثابتة وهادية، وورايا "إجلال هانم".

​الابتسامة اتجمدت على وش فادية، ووقفت مكانها بصدمة وهي بتقول بصوت متحشرج:«مريم؟! إنتي بتعملي إيه هنا؟ مين دخلك الاجتماع ده أصلاً؟».​وقفت قدام الترابيزة، وبصيت في عيون أمي لأول مرة من غير خوف ولا ارتعاش، وقولت بصوت هادي وواضح خلى القاعة كلها تسكت:«أنا جيت عشان أحضر الاجتماع اللي يخصني يا ماما.

. أو بمعنى أصح، الاجتماع اللي هتحكوا فيه قصة حياتي من غير ما تاخدوا رأيي».​فادية حاولت تستجمع توازنها، وضحكت بصوت متصنع وقالت للكل:«سامحوها.. البنت دي صغيرة وبتتأثر بكلام الناس، وأكيد فهمت الموضوع غلط..».​قطعتها وأنا بطلع من شنطتي "فلاش ميموري" وورق مطبوع، وحطيتها قدام مديرة المؤسسة، وقالت بصوت قاطع:«مفهمتش غلط خالص يا فادية هانم.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
SM

Salma Mohamed ✦ ناشر

كاتب

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
39مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان