فاتورة

نُشر منذ 4 أيام
حفظ
غلاف المقال

. مكنش فيه غيري بيسد.​لكن الليلة دي؟ بقيت مجرد "عبء" تقيل على قلبهم وعايزين يتخلصوا منه.​سحبت نفسي بهدوء، ولقيت ترابيزة صغيرة جنب البار، مستخبية ورا شجرة زرع. وقعدت أتفرج من بعيد على أهلي وهما بيحتفلوا من غيري.​"باسم" قام خطب في الكل وبارك لكرم أمنا العظيم.

و"ليلى" مدحت في حنيتها الفائضة. وأبويا وصف "فادية" بأنها ست بيت وامرأة بتخلي الكل يحس بالدفء والترحاب.​محدش فيهم حس بنبرة السخرية الموجعة في الكلام.​لحد ما جه الجرسون ومعاه الفاتحة بتاعة السهرة الطويلة دي كلها. وقال باعتذار: «هما قالوا إن الفيزا بتاعت حضرتك مسجلة عندنا».

​كان ممكن أعمل مشكلة. كان ممكن أدخل جوه القاعة الخاصة وأرمي عليهم القنبلة وأخلّي كل واحد يدفع ثمن اللقمة اللي وكلها.​بس فجأة، حسيت بهدوء غريب وثلج جوه روحي. سنين طويلة وأنا فاكرة إن لو عملت "الخدمة الأخيرة دي"، أمي هتحبني وترضى عني.

الفاتحة دي فهمتني درس عظيم: عمري ما هلاقي خدمة أخيرة.. الطماعة عمرها ما هتشبع.​طلعت الكروت بتاعة البنك بهدوء، وطلبت منه يزود إخلاصاً "بقشيش" عشرين في المية. الجرسون جاب الوصل..ووقعت عليه باسمي الصريح:مريم فؤاد..

​ولما جيت أقوم عشان أمشي، سمعت صوت ست ورائي بتقول بصوت حاسم:«لحظة واحدة من فضلك يا بنتي».​التفتّ بسرعة، ولقيت "إجلال هانم" واقفة جنب البار.. واحدة من أهم وأكبر سيدات المجتمع، وأقرب صديقات أمي، والأهم من كده: إنها رئيسة مجلس إدارة المؤسسة الخيرية الكبيرة اللي "فادية" كانت بتبني مجدها الاجتماعي واسمها عليها في البلد كلها!

​بصت "إجلال هانم" على الوصل اللي في إيدي، وبعدين بصّت على جوه القاعة اللي فيها الاحتفال، وقالت لي بصوت هادئ ومخيف:«يا مريم.. آن الأوان تسمعي بنفسك، أمك دي كانت بتقول عليك إيه وإنتي مش موجودة».​عمر "إجلال هانم" ما كانت زي باقي ستات مجتمع "فادية" وشلتها.

​قليل لما كانت تلبس مجوهرات فاقعة، وعمرها ما قاطعت حد وهو بيتكلم، وكان عندها طراوة عجيبة في طرح أسئلة بتخلي اللي قدامها يحس بعدم الارتياح. دي ست قضت عقود من عمرها بتدعم الأطفال في دور الأيتام والشباب اللي بيبدأوا يعتمدوا على نفسهم بعد ما بيخرجوا من دور الرعاية.

​أنا عرفتها أصلاً عن طريق "مؤسسة عائلة هارتويل للخير"، الجمعية الأهلية اللي "فادية" ساعدت في تأسيسها من حوالي خمستاشر سنة.​كانت رسالة المؤسسة المعلنة قدام الناس هي مساعدة الأطفال المحتاجين في إيجاد عائلات مستقرة وتجهيزهم لحياة مستقلة. وأمي كانت بتموت في الكلام عن المؤسسة دي..

وبالأخص، كانت بتموت في الكلام عنّي.​حسب الرواية المفضلة لـ "فادية"، كنت أنا الطفلة الصغيرة الخايفة اللي هي أنقذتها من مستقبل مجهول وضايع. كانت بتقدم نفسها دايماً على إنها الأم العظيمة اللي فتحت قلبها وبيتها لما الكل لفّوا وشهم ونافسوا البعد.

​سمعت القصة دي مئات المرات لحد ما بطلت أصلًا أسأل نفسي هي حقيقية ولا لأ. بس كنت لسه فاكرة كويس يوم ما دخلت بيتهم لأول مرة.​كنت بنت تمانية، ماسكة شنطة ظهر قديمة وبحاول بكل قوتي ما أسيبش دمعتي تنزل.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
SM

Salma Mohamed ✦ ناشر

كاتب

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
44مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان