ريحة مطهرات المستشفيات مع ريحة أسلاك كهرباء بتتحــ,,ـــــرق كانت مالية قمرة القيادة للآخر، والإنذارات عمالة تصرخ بجنون: "تحذير.. الطيارة بتساقط بسرعة!"زقيت باب القمرة وأنا روحي في خشمي، والصدمة اللي شفتها نزلت عليا زي الصاعقة: الكابتن "عمر" نايم على وشه فوق لوحة التحكم، ومساعده "داني" مايل على جنبه زي الميت، والسماعات بتاعته مدلاة على الأرض!
بره في الممر، صرخات المئتي راكب على الرحلة 782 كانت تقطع القلب، وأنوار الطيارة بترعش وتطفي وتولع.وهنا.. وسط زعيق الناس وهستيريا الركاب، طلع "جرالد"، الراكب الباشا صاحب البدل الغالية اللي من شوية كان قاعد يتريق ويقل إتيكيت على العيل الصغير اللي قاعد في الكرسي رقم 42E، وبقى يزعق بجنون:"إنتوا مجانين ولا بتستهبلوا؟
! أنا دافع اثنا عشر ألف دولار عشان توصلوني بالسلامة، مش عشان أمــ,,ـــــوت في طيارة من غير سواقين!"بس مكنش فيه وقت أصلاً لنحلة جرالد وغروره.في اللحظة دي، قام ولد نحيف لابس بليزر كحلي قديم وساكت. وقبل ما جدته تلحق تمسك إيده ودموعها تنزل:"يا مالك يا بني، إسترها يا رب.
. لا!"الولد مد إيده وطلع من جيبه بطاقة تدريب طيران قديمة، وتحتيها شارة كابتن برونزية قديمة لمعت في إيديه كأنها قطعة أثرية ورثها عن أبوه.صوته طلع هادي وثابت بطريقة مرعبة:"أنا أقدر أنزل بالطيارة دي."جرالد ضحك بسخرية وهو بيقفل قدامه الممر:"تنزل مين يا واد إنت؟
! دي طيارة مدنية، مش لعبة عيال على الموبايل!"عضيت على شفايفي وجزيت على أسنانى ووقفت قدامه وصرخت فيه:"اوسع من قدامه حالاً! الولد ده لو ما نزلش بينا، كلنا هنروح في خبر كان!"جرالد بلع لسانه لأول مرة لما شاف عيل صغير بياخد قرار هيمــ,,ـــــوت ويحيي الناس.
دخل مالك القمرة. كان شكله أصغر بكتير من كرسي الكابتن، لدرجة إني اضطررت أسحب كرسي الكابتن لقدام عشان رجله تطول بدلات التحكم، والسماعات كانت واسعة جداً على ودانه.إيديه اترجفت هزة واحدة سريعة.. وبعدين ثبتت تماماً على الأجهزة.عنيه بقت تلف بسرعة الصاروخ على العدادات واللوحات: الارتفاع، السرعة، حالة المــ,,ـــــوتورات.
قال بنبرة ثقة تخلّي الكبار يقفوا انتباه:"الطيارة لسه على الطيار الآلي، بس إحنا بننزل عشان الكابتن وهو واقع ضغط بكتفه على زر الارتفاع."مسك جهاز الإرسال، ونطق بصوت ثابت كأنه راجل قديم في الشغلانة:"هنا الرحلة 782.. أنا مالك إبراهيم، عندي اثنا عشر سنة.
الطيارين الاتنين فاقدين الوعي، ومحتاج حد يلحقني عشان أنزل بركاب الطيارة دي بسلام."صمت رهيب ساد برج المراقبة على الناحية التانية.. ثواني معدودة كأنها سنين، لحد ما طلع صوت نسائي من السماعة، نبرته اتغيرت وبقت قريبة جداً:"يا مالك.. إنت قلت أبوك الكابتن إبراهيم؟
""أيوة يا فندم.. أبويا هو الكابتن إبراهيم."مالك غمض عينه لحظة واحدة كأنه بيستمد القوة من ريحة أبوه.. بس الكلمات اللي نطقت بيها مراقبة الجو بعدها جمدت الدم في عروقنا كلنا:"يا مالك.. إياك تتنفس من أكسجين الطيارين!
الغاز السام اللي غيّبهم عن الوعي لسه ماشي جوة شبكة الأنابيب دي.. واللوحة هتنقجر حالا!"وفي نفس اللحظة دي.. نورت لمبة حمراء مرعبة جنب إيده اليمين، وبدأ العد التنازلي للمــ,,ـــــوت...اللمبة الحمراء بقت تطفي وتولع أسرع وأسرع، ورسمت على وش مالك انعكاس دموي.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.