​سر البلاط القديم

نُشر منذ 11 ساعة
حفظ
غلاف المقال

​في عمر التسعتاشر، كانت "فريدة" اتعلمت درس قاسي جداً: إن الأمان مش دايماً بيجي من الكلمات الحلوة اللي بتتقال جوة البيت، وإن اللي بيتقال عليهم "أهل" ممكن يكونوا أقسى ناس على قلبك.​عشان كده، لما أبوها "جمال" طلب منها تركب معاه العربية في صباح شتوي قارس، وطالعين في طريق الجبل الوعر المتغطى بالتلج، وقاله بصوت بيحاول يبان حنون: "البيت القديم ده بقى ملكك يا فريدة، اعتبريها فرصة لبداية جديدة بعيد عن دوشة المدينة".

صدقته.. أو يمكن كانت محتاجة تصدق أي بصيص أمل يخرجها من الوجع.​مرات أبوها "نعيمة" هزت راسها بتأييد مصطنع وقالت: "أه والله يا فريدة، هتعيشي لوحدك تعتمدي على نفسك وتصفي ذهنك".​البيت كان عزل تماماً، واقع بين شجر الصنوبر الضخم في أطراف الجبال العالية.

حوائطه الحجرية نصها مدفون تحت التلج، ومدخنته مايلة بشكل يخوف، وعشة خشب قديمة نايمة على جنبه. مفيش أي شبكة لتليفون محمول، مفيش جيران قريبين، وأقرب بلدة لتحت الجبل مسافتها يجي تلاتاشر كيلو من الطرق الوعرة.

​رغم كل ده، فريدة بلعت ريقها ونزلت من العربية وهي بتمنى تكون دي فعلاً صفحة جديدة.​بس لحظة الاستقرار دي ما كملتش ثواني. نعيمة مدت إيدها ببرود وقالت: "هاتي تليفونك يا فريدة".فريدة بصتلها باستغراب تام: "ليه؟ تليفوني عايزينه في ايه؟

"ردت نعيمة بلا عاطفة: "عشان تركزي في حياتك الجديدة من غير تشتيت ولا سوشيال ميديا".​وقبل ما فريدة تنطق، جمال أخد مفاتيح العربية، ونعيمة فتحت الشنطة وطلعت الظرف اللي فيه كل تحويشة فريدة.. شقا سنتين كاملين كانت بتجمعهم بالقرش من شغلها المتقطع في كافيه صغير.

وبعدين جمال فتح الباب الخلفي للعربية وطلع كرتونة كرتون قديمة مربوطة بخيط.​فريدة عينيها وسعت ولقت قلبها بينبض بجنون: "دي.. دي بتاعة أمي!"​الكرتونة دي كان فيها الفتات الباقي من ريحة أمها "أمل": صور قديمة ليها وهي صغيرة، شرايط كاسيت بصوتها، وتحفة إزاز صغيرة كانت أمها بتحب تحطها على درفة الشباك.

​نعيمة قالت بسرعة وهي بتسحب الكرتونة: "الحجات دي ممكن تبوظ هنا من رطوبة الجبل والتلج.. هتبقى في البيت في أمان أكتر لحد ما تنزلي".أبوها ما نطقش بكلمة واحدة.. حط الكرتونة في الشنطة وقفلها.​وقفت فريدة على التلج لوحدها، تتفرج على العربية وهي بتلف ببطء، وتختفي أنوارها الحمرا شيئاً فشيئاً بين ضباب الشجر.

. لحد ما ابتلعها السكوت.​كان ممكن تفقد الأمل، بس الساقعة كانت أقوى من أنها تخليها تضيع وقت في العياط.​دخلت البيت المظلــ,,ـــــم. كان فيه ترابيزة خشبية قديمة، كرسين، سر,,ـــــير حديد ضيق، وكسوة سجاد سميكة مفروشة على بلاط الأرضية بخشونه. لقت دفاية صاج قديمة، وشوية حطب ناشف مرميين في العشة برا.

بالولاعة و شوية تركيز، قدرت تولع الدفاية وتدفي الأوضة شوية، ونامت ليلتها الأولى ببالطوها وتقلوه فوق بطانيتين، وهي سامعة صوت الهوا بيخبط في الشباك زي أصابع خفية.​تاني يوم الصبح، ومع أول ضوء شمس شاحب، سمعت صوت حركة خفيفة ورا عشة الحطب.

​مسكت بلطة صغيرة كانت مرمية جنب الحطب وفتحت الباب بحذر. بين جدار البيت ورصة خشب، لقت كلب بلدي كبير قاعد.. ضلوعه باينة من الجوع، شعر راسه ولحيته مبيّضين من الكبر، ورجله الورانية شكلها مكسورة أو متيبسة بطريقة تمنعه من الجري.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
SM

Salma Mohamed ✦ ناشر

كاتب

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
49مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان