الجو كان ساقعة مــ,,ـــــوت بس البرد الحقيقي كان جوة الصندوق الأسود بتاعهم.أخيراً نطق جمال، وصوته كان مكسور ومبحوح:— "منصور.. جدك.. كان بيبعتلك جوابات سنين طويلة يا فريدة. بعد ما أمك ماتت، أنا ماكنتش أقدر أبص في وشك دقيقة.. كان فيكي من عينيها وملامحها اللي بتوجع قلبي.
نعيمة هي اللي عرضت تستلم الجوابات.. وأنا سكت."فريدة بصت له بعتاب يقطع القلب: "وكنت عارف أنها بترجعها وتكتب عليها مش عايزين؟"كتف جمال اتهدت للأسفل: "آه.. كنت عارف."نعيمة فضلت ساكتة.. وسكوتها كان اعتراف أوحش من ألف كلمة.
فريدة دارت ودخلت جوة البيت ثواني، ورجعت ومعاها مفتاح صغير كانت لقته وسط أوراق جدها. ماكنش بيفيد مع القفل الكبير للصندوق الحديد اللي في البدروم، بس فتح درج سري جوة ورشة النجارة.. وجوة الدرج لقت مفتاح تاني صغير.رجعت ومعاها الصندوق الحديد الثقيل وحطته قدامهم على الترابيزة برة.
لما فتحت الغطاء، ظهرت المستندات المالية وشهادات الاستثمار ودفاتر التوفير.. حاجات كتيرة جداً كان الحاج منصور شارها باسمها في كل عيد ميلاد عدى عليها! مستقبلها المالي اللي اتخزن في السر، بينما نعيمة وجمال كانوا بيحسسوها دايماً أنها عبء ومكروهة وملهاش عازة.
نعيمة عينيها لمعت بطمع، وقربت بتهلل مصطنع: "طيب يا فريدة يا حبيبتي.. مدام الخير جه اهو، تعالي نقسم كل ده بالعدل والرضا.. احنا أهلك برضه!"بس بالنسبة لفريدة، الكنز الحقيقي ماكانش الفلوس ولا الورق.. الكنز الحقيقي كان الجوابات، كل ورقة كانت بتثبت إن فيه حد في الدنيا دي حبها بصدق وما بطلش يفتكرها.
في اللحظة دي، جمال عمل حركة غريبة.. دخل البيت بهدوء، وبعد دقايق طلع وماسك في إيده كرتونة أمها "أمل" القديمة!فريدة وقفت مكانها متسمرة. قال جمال بصوت واطي وخجلان: "أنا خبيتها يا فريدة.. كذبت على نعيمة وقلت لها إني رميتها في الزبالة.. بس ما هانش عليا."فريدة فتحت الغطاء ببطء.
. التحفة الإزاز كانت جوة سالمة ومكسرتش، ومعاها الصور وشرايط الكاسيت القديمة.بصت لأبوها نظرة طويلة كلها معاني، وبعدين بصت لملف الورق اللي في إيد مرات أبوها، وقالت بصوت هادي وقوي:— "خدّي مراتك يا بابا.. واررجعوا بيتكم."جمال وقف مكانه كأنه لسة عايز ينطق بكلمة تانية.
لكن فريدة شدت إيدها جامد على صورة أمها وقالت له بوجع صادق:— "وادعيله.. توب لربنا ورد الحقوق لأصحابها، عشان يمكن ربنا يغفرلك اللي عملته فيا وفي عمر أمي اللي راح."ركبوا العربية بصمت.. ودارت الماكينة، وبعجلات بتزحلق في تلج الجبل، غابوا عن الباب زي ما غابوا عن حياتها طول السنين اللي فاتت.
فريدة دخلت قفلت الباب وراها.. مبروك جه نام جنب الدفاية بتنهيدة راحة واطمئنان.بعد ما العربية بتاعت جمال ونعيمة نزلت من الجبل واختفت أنوارها بين الشجر، ساد سكوت عميق وهادئ حوالين البيت. السكوت ده ماكنش وحشة ولا خوف، بالعكس.
. كان سكوت الطمأنينة لأول مرة في حياة "فريدة".دخلت فريدة جوة البيت، وقفلت الباب الخشبي كويس وراها. الهوا البارد كان لسه بيخبط برا، بس الدفاية كانت منورة جوة ومدفية الأوضة كلها بريحة الخشب الحطب. مبروك قام ببطء، وراح نام مكانه المعتاد قدام الدفاية، وطلع تنهيدة طويلة كأنه بيقولها: "أخيراً بقينا في أمان".



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.