كان بيبص لها بعينين واسعتين وفيهم هدوء غريب من غير أي زمجرة.فريدة حست بوجع في قلبها، ونزلت على كعبينها، وحطت جنبه بقايا العيش والجبن اللي كانت سيباها من الفطار.الكلب استنى لحظة، وبعدين قرب بهدوء، كل لقمة ببطء، وبعدين جه كسر الحاجز وقعد يسند وزنه كله على رجلها كأنه بيطمنها.
. ولأول مرة من يومين، فريدة ابتسمت بجد.همستله بصوت دافئ: "شكلي أنا وأنت مالناش مكان تاني نروح له يا صاحبى".سمته "مبروك".دخل مبروك وراها البيت وقعد قدام الدفاية كأنه صاحب بيت من سنين. في الليلة دي، فريدة قعدت تفضفض للكلب بكل الحاجات اللي كانت دافناها جواها ومحدش بيسمعها.
. حكتله عن حلمها القديم إنها تدخل فنون جميلة وترسم، وإزاي مرات أبوها كانت بتقفل السيرة دي وتقول ده كلام فاضي. وحكتله عن تحويشتها اللي اتسرقت، وعن إزاي كل ربيع بيعدي عليها بيكون أصعب في تذكر ضحكة أمها.
مبروك كان بيسمعها وساكت، حاطط راسه على كفوفه وعينيه بتلمع.في نص الليل، الجو برا بلغ قمة الساقعة. الدفاية كانت شמالة كويس، بس فريدة لاحظت إن فيه تيار هواء بارد ولاذع بيطلع من تحت السجادة في نص الأوضة.
مبروك قام فجأة، ووقف ثابت في نص الأوضة وعينيه مثبته على الأرض.فريدة شدت السجادة على جنب.. ولقيت حاجة غريبة. ألواح الخشب في نص الأوضة كانت عاملة شكل مربع متقفل بعناية، والشقوق مسدودة بطين ناشف ومضغوط. وفي طرف المربع ده، كان فيه حلقة حديد صغيرة غاطسة جوة الخشب تماماً.
مسكت فريدة الحلقة وشدرت بكل قوتها..المربع الخشبي طلع لفوق بسهولة نسبية، وطلعت منه نفحة هواء رطب وريحة تراب قديم وعتق.قربت لمبة الجاز، وشافت سلم حجري ضيق بينزل لتحت الأرض.. لبدروم سري مجهز بذكاء!
الرفوف كانت مالية الحيطان ومرصوصة بانتظام: برطمانات طعام محفوظة، حبوب، شمع، جاز، بطاطين، حبال، أدوات نجارة، وحتى صندوق إسعافات أولية. مكان متجهز عشان يعيش فيه بني آدم شتا كامل وقاسي بكل الأمان.وفي وسط الرفوف دي.
. برطمان واحد لفت نظرها، مكتوب عليه بخط طفولي مهتز:(مربى مشمش — أمل)أمها كانت هنا في يوم من الأيام!وفي آخر البدروم، كان فيه صندوق معدني متوسط، وحزمة جوابات قديمة مربوطة بدوبارة متينة، وصندوق حديد تالت مقفول بقفل نحاس تقيل ماقدرتش تحركه من مكانه.
طلعت فريدة الصندوق الصغير والجوابات معاها فوق، وقلبها بينبض بسؤال واحد: إيه حكاية المكان ده.. ومين بناه؟فريدة قعدت جنب الدفاية المشتعلة، ومبروك قاعد قدامها مركز بعينين لسه فيهما ذكاء وفهم. مدت إيدها لفتح الصندوق المعدني المتوسط، وطلعت منه جواب مطوي بعناية، ومكتوب على ظهره بخط مرتب وجميل:(إلى حفيدتي الغالية فريدة).
قلبها دق بسرعة وهي بتفتح الورقة.. ولقيت الإمضاء في آخر السطر: "الحاج منصور العطار".. جدها لأمها!الراجل اللي كانت نعيمة وجمال دايماً بيحفظوها جملة واحدة عنه: "راجل قاسي، وقطع علاقته بأمك ورفض يعرفكم من طفولتكم".الجد كتب في الجواب كلام غير كل اللي سمعته حياتها.
قال إنه هو اللي بنى البيت ده بـ إيده لما كانت أمل (أمها) لسه طفلة صغيرة. قطع الخشب من الغابة المحيطة، ورفع الحيطان الحجرية، وفحر البدروم عشان يحفظ فيه المؤونة، وصنع الترابيزة والكراسي والسر,,ـــــير بإيده في ورشته الصغيرة الملحقة بالبيت.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.