..!"قاطعتها بهدوء وبسمة خفيفة:— "الجملة دي يا نعمة.. هي المشكلة بعينها."شفايفها اتقفلت، ومبقاش فيه أي كلام ممكن تقولُه.لفيت وشي للركاب اللي كانوا واقفين يتابعوا، وقُلْت:— "أنا بشكر كل واحد فيكم وقف ورفع صوتاً بالحق..
بس عايزة أفهمكم حاجة مهمة: حتى لو جوزي ما كانش مالك الشركة دي، أنا برضه إنسانة ولديّ كامل الحق في الاحترام زي أي حد تاني."الرجل الكبير هز راسه باحترام وتأييد، والبنت الصغيرة نزلت تليفونها ودموع الفخر لمعت في عينيها.رجع صوت حمزة من التليفون يسألني:— "أميرة..
لسه حابة تكملي الرحلة وتسافري؟"بصيت من باب الطيارة على الكرسي 2A، ولقيت كتابي لسه محطوط في جيب المقعد قدامه.رديت بابتسامة ثقة:— "أيوه يا حمزة.. عايزة أخلص الرحلة اللي بدئتها وبدفع ثمنها."بس وأنا ماشية مع مدير العمليات عشان نرجع جوه الطيارة، جت تذكرة تنبيه على تابلت المدير فجأة.
. وشه اتغير لونه، وبسرعة جرى خطوات لحد ما حصلني.همس في أذني بصوت قلقان:— "مدام أميرة.. فيه حاجة كمان لازم تشوفوها حالا.. الصراحة الشكوى دي مش الأولى من نوعها ضد الثلاثي دول.. فيه بلاغات تانية كتيرة معم ضدهم قبل كده!
"
مدير العمليات دخلني مكتب صغير جنب البوابة، ولف التابلت بتاعه ناحيتي. على الشاشة كانت فيه شكاوى كتيرة متقدمة من ركاب سافروا على خطوط "الأفق" خلال الثمانية شهور اللي فاتوا.. وكل شكوى كانت بتحكي نفس القصة بالضبط!
ناس اتسألوا عن لبسهم، وناس تانية هيددوهم بأنهم هيطردوهم من كراسيهم رغم إن تذاكرهم سليمة مية في المية. وثلاث أسماء كانت بتتكرر في كل التقارير دي كالعادة: نعمة، داليا، وكارم.قريت الشكاوى واحدة ورا التانية، وقلبي بيتقبض من حجم الاستعلاء والتعالي.
واحدة منهم كانت ممرضة شابة راجعة بيتها بعد شفت شغل متواصل استمر يومين كاملين، والمضيفين قالوا لها إن لبسها البسيط ما يليقش بدرجة رجال الأعمال! وكمان راجل عجوز كان بيحتفل بعيد ميلاده السبعين، ضغطوا عليه عشان يسيب مكانه لمجرد إنهم شايفين إن شكله "مش واخد على البرستيج"!
ولا واحد فيهم أخد اعتذار حقيقي أو يبرد قلبه.سألت مدير العمليات بحدة:— "هو كام شكوى من دول اتعمل فيها تحقيق بجد؟"نزل عينيه في الأرض وقال بصوت واطي:— "معظمهم اتقفلوا بعد ما الشركة مدت الركاب بكوبونات سفر تعويضية.
. وفيه شكاوى تانية اتقفلت من غير أي إجراء أصلاً."تردد شوية وبعدين أضاف: "الإدارة القديمة كانت بتعتبر دي مشاكل فردية تخص خدمة العملاء وبس."في اللحظة دي، فهمت إن المشكلة أكبر بكتير من مجرد ثلاثة موظفين أخدوا قرار غبي.
اتصلت بحمزة تاني، ولما حكيت له على اللي لقيته، فضل ساكت كذا ثانية قبل ما يقول بحزم:— "يا أميرة، أنا عايز فريق مستقل تماماً يراجع كل شكوى من دي.. وممنوع أي حد من الإدارة المحلية هنا يتدخل في التحقيق أو يوجهه.
"وافقت، بس اشترطت عليه حاجة واحدة واضحة: "التحقيق ده لازم يحمي الركاب اللي شجاعة قلوبهم خلتهم يتكلموا، مش بس يحمي سمعة الشركة ومكسبها!"لما رجعت جوه الطيارة، الكبينة كلها ولعت بالتصفيق والترحيب! الراجل العجوز وقف جنب كرسيه وابتسم لي بحرارة وأنا معدية.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.