كنت بشتغل من البيت، وأقسم يومي بين شغلي ورعاية التوأم ومذاكرة يوسف ولعبه. كان فيه أيام بتعب فيها لدرجة إني أبقى عايزة أعيط، وأيام الفلوس فيها ماتكفيش غير الأساسيات، لكن كل مرة كنت ببص لعيالي وهما بيضحكوا، أفتكر إني أخدت القرار الصح.
آسر ماحاربش عشان الحضانة، ومحاميه تولى معظم الإجراءات. واتنظمت الأمور الخاصة بحقوق الأولاد بشكل رسمي، وأنا حرصت إن أي التزام يخصهم يبقى واضح ومثبت، من غير ما أسمح لحد يستخدم الفلوس وسيلة للتحكم في حياتنا.
كنت فاكرة إن الحكاية انتهت عند كده.
لحد ما جه يوم، وأنا بطوي هدوم التوأم، تليفوني رن، ولقيت اسم آسر ظاهر على الشاشة.
رديت ببرود:
«أيوه؟»
قال بصوت غريب:
«مريم، أنا عايز أشوفك.»
قلتله:
«مفيش حاجة بينا نتكلم فيها.»
رد بسرعة:
«أرجوكي يا مريم، لازم تسمعيني.»
استغربت. آسر اللي طول عمره بيأمر والناس تنفذ، بقى بيترجاني أسمعه؟ قفلت المكالمة، وقلت لنفسي إن الماضي انتهى، وإنه ماينفعش يرجع لحياتي وقت ما يحب.
لكن بعد خمس دقايق، سمعت خبط جامد على الباب.
كانت الساعة قربت على تسعة بالليل. شلت عمر على صدري، ومشيت ناحية الباب بحذر.
سألت:
«مين؟»
جالي صوته من الناحية التانية:
«أنا يا مريم.»
فتحت الباب على قد السلسلة، واتصدمت.
آسر كان واقف قدامي ببدلة متكرمشة، وكرافتته مفكوكة، وشعره منكوش، وعينيه حمرا كأنه ما نامش من أيام. لكن أكتر حاجة خوفتني كانت الرعب اللي باين في عينيه.
قلتله:
«تصبح على خير يا آسر.»
وحاولت أقفل الباب، لكنه مد إيده، وبعدها سحبها لما بصيت له بغضب.
قال بصوت مكسور:
«أرجوكي، اسمعيني بس.»
قلتله:
«إنت آخر واحد من حقه يطلب مني أي حاجة.»
في اللحظة دي، يوسف رفع راسه من على السجادة، وبص ناحية الباب. آسر أول ما شافه ناداه:
«يوسف يا حبيبي.»
ابني بصله لحظة، وقال:
«أهلًا يا بابا.»
وبعدها رجع يلعب بعربياته، من غير ما يجري عليه زي زمان.
وش آسر اتغير، وكأنه اتلقى ضربة ماكانش مستعد لها. فضل باصص لابنه، وبعدها رجع بصلي وقال:
«فيه حاجة لازم تعرفيها. حاجة أنا كان لازم أقولها لك من قبل ما نتجوز.»
قلبي بدأ يدق بسرعة، وأول اسم جه في بالي كان ياسمين.
سألته:
«ياسمين ليها علاقة بالموضوع؟»
غمض عينيه للحظات، وقال:
«أكتر مما تتخيلي.»
وافقت أسمعه، لكن قلتله إن أي كلام يخص حقوق الأولاد لازم يتراجع مع المحامي، وإنه مش هيدخل حياتنا تاني من غير حدود واضحة.
وقف في الطرقة، وطلع من جيب جاكته ظرف قديم، لونه اصفر من الزمن، ومكتوب عليه اسمي.
أول ما شفت الخط، حسيت إن رجليا مش شايلاني.
ده كان خطي أنا!
سألته بذهول:
«إنت جبت الظرف ده منين؟»
قال:
«ياسمين كانت محتفظة بيه.»
خدت الظرف بإيد بتترعش. كنت فاكرة الرسالة دي كويس. كتبتها في أول شهور جوازي من آسر، في ليلة كنت فيها مخنوقة من غيابه وخايفة أعترف له إني حاسة إني بخسره. كتبت فيها إني بحبه، وإن وجوده جنبي أهم عندي من كل الفلوس، وإن أصعب حاجة عليا إني أفضل طول الوقت مستنية يختارني.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.