"ثلاث أيام بلا لقمة عيش

نُشر منذ يوم
حفظ
غلاف المقال

​"يا بابا... أختي الصغيرة مش راضية تصحى خالص، وإحنا ما حطّيناش في بطننا أي لقمة من تلات أيام!"الجملة دي نزلت على قلب الأب كالصاعقة، وهو طاير بأولاده على المستشفى وعقله بيطير من الرعب.. بس ما كانش عارف أبداً إن الحقيقة المرعبة والمرة اللي مستنياه – وفين أمهم كانت رايحة وسابتاهم – هتغير حياته للأبد!

​زياد كان قاعد جوة قاعة الاجتماعات في شغله بوسط البلد، ومنسجم جداً مع زمايله، وفجأة تليفونه رن برقم غريب. في الأول حسّ إنه إزعاج أو مكالمة تسويقية هتقاطعه قبل الغداء، وكاد يتجاهلها.. بس بعدين، العمر كله هيعدي قدام عينه وهو فاكر لحظة التردد دي، والصمت القصير اللي جه قبل ما حياته تتقلب رأسًا على عقب.

​رد في الآخر وعقله لسه مشتت بين المكالمة وبين الكلام اللي داير حوالين الترابيزة:– "ألو؟"​في الأول مفيش غير صوت تشويش خفيف وصوت حركات غريبة، وبعدين صوت صغير كسر السكوت، صوت كله خوف وتعب وإرهاق:– "يا بابا؟"​زياد زق الكرسي لورا بقوة قبل حتى ما عقله يستوعب اللي سمعه:– "حمزة؟

! بتكلمني من تليفون مين؟ في إيه يا حبيبي، حصل إيه؟"​الولد بلع ريقه بصعوبة وحاول يتماسك، صوت طفل بيحاول يبان شجاع وغصب عنه خانته دموعه:– "يا بابا... ليلى مش راضية تصحى عدل، عمالة تنام وسخنة ولعت! وماما مش هنا.. ومافيش أي أكل خالص ناكله.

"​في اللحظة دي، مفيش أي حاجة جوة قاعة الاجتماعات فرقت معاه. الشاشات المعروضة قدامه، زمايله اللي مستنيين منه رد، صوتهم الواطي.. كله اختفى تماماً كأنه ما كانش.​كرسيه خبط في الأرض جامد وهو بيقوم مفزوع، وزميله اللي جنبه اتخض من الحركة المفاجئة.

زياد ما قالش أي مبرر، ولا حتى اعتذر، وحتى ما فكرش يمد إيده ياخد جاكيته. جرى على المفاتيح والتليفون وطلع على الأسانسير، وهو بيدبر في سكة إيده يكلم سارة.​رن.. ومفيش رد، دخل على البريد الصوتي. رن تاني.. برضه مافيش. رالت تلت مرة.. ولا كأن فيه حد.

​ولما وصل لجراج عربيات الشركة، كان قلبه بيدق بجنون وإيديه بتترعش على دركسيون العربية. في أول الأسبوع، سارة كانت قائلة إنها هتاخد العيال تروح بيهم استراحة ناس أصحابهم على البحيرة، وإن الشبكة هناك ضعيفة. وبما إنها نوبتها في حضانة العيال، وعلى الرغم من المشاكل اللي بينهم، إلا إن نظام مشاركة تربية العيال كان شغال بقاله شهور، فزياد وثق فيها وعادي.

​بس وهو سايق في الشوارع الزحمة رايح على البيت اللي أجّرته في الحي الراقي، صوت حمزة الضعيف كان بيرن في ودنه زي الأغنية الحزينة:(مافيش أي أكل خالص ناكله. .)​حاول يرجع يرن على سارة تاني.. وبرضه نفس النتيجة. مسك الدربيل وجزّ على أسنانه وقال بصوت مطلعش غير من قلبه:– "يا سارة.

. ردي عليا بقي!"بس هي ما ردتش.. ولا حتى رجعت اتصلت.​بيت مالوش صوت! ​وصل البيت في أقل من نص ساعة، وما حسش أصلاً بالإشارات ولا الشوارع اللي بتعدي جنبه. لما ركن على الرصيف، أول حاجة لفتت انتباهه.. الصمت الرهيب.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
SM

Salma Mohamed ✦ ناشر

كاتب

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
38مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان