"ثلاث أيام بلا لقمة عيش

نُشر منذ يومين
حفظ
غلاف المقال

​جوه أوضة العمليات، الأجهزة كانت بتطلق صفيرها المتصل اللي بيدخل زي السكاكين في ودن زياد. الدكتور كان بيضغط بكل قوته على صدر ليلى الصغيرة، والممرضة بتصرخ: "هاتوا جهاز الصدمات بسرعة.. نبضها بيضعف! "​زياد كان واقف برة زجاج الأوضة، حاسس كأن الدنيا كلها بتلف بيه وبتنهار على دماغه.

إيد حمزة الصغيرة كانت ماسكة في طرف قميصه بقوة، والولد كان بيبص لأبوه بعيون كلها رعب وتسأل بريء:– "يا بابا.. هي ليلى هترجع تصحى معانا البيت تاني. . صح؟"​زياد ما قدرش ينطق بكلمة واحدة. زور كان مقفول تماماً كأن فيه حجر صلب واقف فيه، ودموعه كانت نازلة بصمت على خدوده.

حضن حمزة لصدره بجنون وهو بيغمض عيونه وبيناجي ربه بصوت خافت مكسور: «يارب.. يا رب استودعتك روحي وقلبي، لا تحرمني منها يا رب.. يا رب الطف بيا وبيهم!»​بعد دقائق معدودة – كأنها الدهر كله – فتح الدكتور باب أوضة العمليات، ووشه كان باين عليه علامات التعب والأسى الشديد.

قرب من زياد بحذر، وحط إيده على كتفه وقال بصوت حزين:– "البقاء لله يا سي زياد.. إحنا عملنا كل اللي نقدر عليه، بس جفاف الجسم الشديد والالتهاب الرئوي تمكنوا منها.. ليلى ارتاحت."​كلمة "ارتاحت" نزلت على ودن زياد زي صاعقة كهربا مشحونة بمليون فولت.

حس إن رجليه مبقتش شايلاه، فوقع على ركبتيه قدام باب الأوضة وهو بيصرخ صرخة طالعة من أعماق أب مكسور، صرخة هزت أركان المستشفى كلها. حمزة لما شاف أبوه بيعيط بالطريقة دي، قعد جنبه وبدأ يعيط بصوت عالي ومن غير ما يفهم كل حاجة، بس حس إن روحه بتتسحب منه.

​قبل ما زياد يستوعب فجاعة اللي حصل، وقبل ما دموعه تنشف على خدوده، ظهرت صدمة تانية تزلزل الحجر! ​طقم من رجال الشرطة دخلوا قسم الطوارئ بخطوات سريعة وحازمة، وضابط المباحث قرب من زياد مباشرة وسأله بجدية:– "أنت زياد.. أبو الأطفال دول؟

"​زياد رفع راسه وعيونه حمراء ومليانة دموع، وقال بصوت متقطع وبحة قهر:– "آه.. أنا أبوهم.. بس بنتي لسه ميتة جوا من شوية. . سيبوني في حالي!"​الضابط اتنهد بأسى، بس ملامحه رجعت حادة وقوية وهو بيقول:– "البقاء لله.

. بس للأسف يا سي زياد، الموضوع مش هيعدي كده. البوليس كان بيراقب شقة في الحي الراقي مأجرتها المدام بتاعتك.. ولما دخلنا المباحث بعد بلاغ الجيران، لقينا العيال قاعدين لوحدهم من غير لقمة عيش. . ولما قبضنا على الهانم بتاعتك في مكان تاني خالص..

المفاجأة إنها مكنتش في استراحة ولا حاجة، دي متجوزة عرفي من راجل تاني من شهور، وسايبة عيالها بالثلاث أيام مرميين في البيت لوحدهم عشان تسافر وتسهر مع جوزها العرفي وتقضي حياتها!"​الكلمات دي نزلت على دماغ زياد كأنها ضـ,ـربات شاقور.

سارة؟! الست اللي أمنها على عرضه وشرفه، وعاش معاها سنين، ووثق فيها عشان هي أم ولاده.. باعتهم بالشكل الرخيص ده؟! سابت ولادها الصغيرين محبوسين في البيت بلا أكل ولا شرب ولا حتى نقطة مياه، يستنوا المـ,ـوت البطيء، عشان هي رايحة تهلّك نفسها في طريق الحرام والشهوات؟ !

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
SM

Salma Mohamed ✦ ناشر

كاتب

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
44مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان